المنجي بوسنينة
41
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الباجي والبغدادي روى كلّ واحد منهما عن الآخر ، فإنّ تعاطف الباجي مع المذهب الشّافعي ثمّ مع الأشعريّة إنّما يرجع بالدّرجة الأولى إلى ما سمعه من دروس البغدادي . وأخذ الباجي ببغداد عن كلّ من المحدّث أبي عبد اللّه الصّوري ( ت 444 ه / 1052 م ) ، وأبي إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي ( ت 445 ه / 1053 ه ) ، والأصولي أبي الفضل بن عمروس المالكي ( ت 452 ه / 1060 م ) . ولمّا رجع الباجي إلى الأندلس سنة 439 ه / 1047 م ، عمل في ضرب ورق الذّهب وعقد الوثائق حتّى أنّه كان يخرج للإقراء وفي يده أثر المطرقة . فلمّا فشا علمه تهيّأت له الدنيا وعظم جاهه ، وترسّل للملوك فأجزلت له الصّلات ، ومات عن مال وفير . كثرت القالة فيه لمداخلته الرّؤساء ولقبوله قضاء عدّة أماكن تصغر عن قدره . فكان يبعث إلى تلك النواحي من يخلفه فيها . وربّما أتاها المرّة ونحوها . اتّهمه الفقيه أبو بكر الصائغ بالكفر لأخذه بظاهر لفظ حديث الكتابة يوم الحديبيّة ، وإجازته الكتب على الرّسول الأمّي صلى اللّه عليه وسلم ، وتألّب عليه الفقهاء ، وشنّعوا به لدى العامّة . ولمّا عظم عبث الإسبان بالثغور الأندلسيّة انتدبه المتوكّل بن الأفطس صاحب بطليموس رسولا له إلى ملوك الطوائف في محاولة منه لرأب الصّدع بينهم وتوحيد الصفّ لمواجهة الخطر الإسباني المحدق بالأندلس . وكان ملوك الطّوائف يصغون إلى وعظه إجلالا لعلمه في الظّاهر ، وكانوا يستثقلونه ويستبردون نزعته في الباطن . ولم يجد الباجي من تجاوب في دعوته تلك إلّا في بلاط سرقسطة المعرّض أكثر من غيره للأطماع الإسبانية . فلمّا استدعاه صاحبه المقتدر بن هود لبّى النداء ، وبقي بجواره مدّة تمكّن خلالها من وضع أهمّ مؤلّفاته وأشهرها . ولمّا استدعى حاكم جزيرة ميورقة ابن حزم الظاهري المذهب سنة 430 ه / 1038 م لمواجهة بعض علماء المذهب المالكي دعي الباجي بعد عجزهم عن مناقشة ابن حزم على صعيد مبادئ الشريعة الإسلاميّة إلى مناظرته وأفضت المناظرة إلى تفوّق الباجي الذي كان قد تمرّس بالجدل في بغداد على أعلامه . والمشكلة الرئيسة في الجدل الذي دار بين عالمي الأندلس من خلال كتبهما التي تردّد صدى المناظرات فيها ، تمثّلت في هذا السؤال : هل يجوز أن نقرّر مع الظاهريّة أن النصّين القرآني والنبوي فيهما كلّ الحلول لجميع الحالات التي واجهتنا وتواجهنا في حياتنا ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، وعندئذ يكون من الواجب أن نتمسّك حرفيّا بالنصّين ، أم أنّ علينا أن نقول مع أتباع المذاهب الأخرى والمذهب المالكي في مقدّمتها إنّ القرآن والحديث نصّان محدودان تحديدا زمنيّا ، ولا يمكن أن نجد فيهما كلّ الحلول لجميع الحالات اليوميّة دون تحديد زمني ، ولذا يجب في الحالات التي لا يمكن أن نتعلّق فيها بحرفيّة النصّين أن نستنجد بروحيهما أي بالتأويل أو بعبارة أخرى بمقصديهما . كان للباجي تأثير كبير في جيله والجيل الذي جاء بعده بما كان يلقيه من دروس إثر رجوعه